إذا تعمقنا في طبيعة الوجود لوجدنا أن كل الكائنات قد خُلقت نتيجة تفاعل وجودي لعنصرين متقابلين أو مضادين. ومن هنا يفسَّر أن الوجود كله هو نتيجة لوجود هذين العنصرين، وعندما يتساوى هذان العنصران يكون اللاوجود. يصبح اللاوجود موجوداً عندما يتفاعل في داخل ذاته هذان العنصران المتقابلان، لذلك وجب أن يكون هذان العنصران ضمن الطبيعة الأزلية للكائن الكلي، فهما يفنياه عندما يتساويا، ويظهرانه عندما يتفاعلا.
لقد أدرك الإنسان منذ البدء هاتان الصفتان في كل ما هو حوله وقد ورد ذلك في جميع الثقافات والفلسفات القديمة والحديثة؛ المذكر والمؤنث، الموجب والسالب، النور والظلمة، الكبير والصغير، السكون والحركة الخ. وفي تفاعلهما لا يمكن أن يكونا متساويين، وهذا ما تم التوصل إليه في الاكتشافات العلمية الحديثة في نظرية انكسار التناظر في علوم الفيزياء، التي برهنت علة الوجود.
في التوراة، حواء هي التي دفعت آدم كي يأكل من شجرة المعرفة، في حواء توجد نبضة الدفع، نبضة الخلق، ولكن هذا الدفع يحتاج إلى ما يرتكز عليه كي يدفع، وهنا تظهر صفة آدم، الركيزة الثابتة غير المتحركة والتي على أساسها تتم كل حركة، في المذكّر يوجد السكون المطلق وفي المؤنث توجد نبضة الدفع التي تدفع الكيان الأبدي للظهور في الخليقة.
بوجود هاتان الصفتان، يبقى شيء واحد، وهو الجمع بينهما، كيف يتم جمع هاتان الصفتان المضادتان؟ وهنا تظهر صفة أخرى أزلية، هي صفة عملية الجمع، الحب هو الذي يجمع، والبغض يفرّق، لذلك قيل أن الحب هو نبضة الحياة، ومن هنا كانت الدعوات الكثيرة والعديدة والمتكررة عبر العصور كي يحب الإنسان أخاه الإنسان. إذاً المذكّر والمؤنث وعملية الجمع بينهما هم صفات أزلية في الكائن الأبدي السرمدي.
وكلمات هذا الفصل هي صور تتابعية لتفاعل العنصران الأزليان بنبضة الحب الأبدية، وظهور الوجود من اللاوجود.